الحقيقة الغائبة


المستشار طارق البشري **
17/01/2005
المستشار طارق البشري
موضوع السيدة وفاء قسطنطين بتعين أن يبقي مما نفكر فيه ونتداول الأمور بشأنه ونستخلص الدلالات ونتبين المواقف، ويتعين ألا يتجاوزه الاهتمام العام حتى تتحدد الأوضاع وتتضح وتتأكد ضوابط العلاقات بين الجماعات المتنوعة بعضها البعض، وبين كل منها والجماعة الوطنية العامة؛ لأن الأمور في هذا الحدث اضطربت واختلطت على نحو بدا فيه للمعتدي أنه معتدى عليه، ومارس فيها صاحب السلطة سلطته إنفاذا لمشيئة غيره، وانحسرت فيها سيادة الدولة عن بعض رعاياها وبعض أقاليمها.
ونحن نرجو أن تقوى هيئات المجتمع الأهلي جميعا، وأن يرفع عنها من إصر الدولة المركزية الذي يشل فاعليتها ويخنق وجودها، وأن تقوى إمكانات الإدارة الذاتية لشئونها ولشئون أعضائها وأن يكون لها عصمة تحقق إرادتها الذاتية في هذه الشئون الخاصة بها، وأن تقف سلطات الدولة المركزية من دون الطغيان على هذا الوجود الذاتي والتحقق لإرادته وفاعليته في نظامه الخاص المضروب. ولكن لا يدخل في إطار فاعليات المجتمع الأهلي قط أن يكون لواحدة من هيئاته سلطة الإمساك بالناس وتحديد إقامتهم وحفظهم في أماكن خاصة تسيطر عليها هذه الهيئات من دون الدولة المركزية، لأن هذا الإمساك والحفظ وتحديد الإقامة هو من ممارسات استخدام العنف المادي ومن ممارسات الجبر والقهر، وهو من خصائص الدولة ومؤسساتها، بمعنى أنه يتعين أن يكون وقفا واحتكارا للدولة وحدها، ولا يوجد فكر سياسي ولا فكر دستوري أو قانوني يمكن أن يسمح بأن تكون واحدة من هيئات المجتمع الأهلي ممن يمارس هذه السلطة من دون الدولة على ذات المواطنين، ولا ممن يشارك الدولة في إعمالها عليهم.
لذلك يتعين أن نقف أمام الحدث الماثل طويلا، وألا تحيد أعيننا عن النظر إليه حتى تنجلي الغمة التي تحيط بنا الآن.
وخلاصة الأمر العجيب الذي دار أمام أعيننا أن دولة مستبدة، وذات سلطات طليقة فيما تمارسه على مواطنيها من هيمنة وجبروت، هذه الدولة وهنت وضعف منها العزم، فبدل أن يجيء وهنها لحساب التحول الديمقراطي العام أعطت جزءا من استبدادها لهيئة خاصة هي الإدارة الكنسية القبطية الأرثوذكسية، لتمارسه هذه الإدارة على من يتبعونها استبدادا بهم وطغيانا، بغير مسوغ تشريعي أو دستوري أو اعتراف من فكر سياسي يمكن من ذلك.
"الحق القانوني"
والقارئ يعرف القصة، وهي أن الإدارة الكنسية طلبت تسليم مواطنة إليها، فصدر القرار بتسليمها إليها، ولم نعرف عن هذه المواطنة شيئا ولا تعرف الدولة عنها شيئا بوجه رسمي معروف. والأكثر من ذلك أن الإدارة الكنسية وبعضا من المطارنة اعتبروا أن هذا حق قانوني لهم، وما أكثر ما ترد في أقوال حضراتهم للصحافة المقروءة على مدى شهر ديسمبر المنقضي، أنهم طالبوا بالسيدة "وفاء" لأنه حق قانوني لهم، ومن أمثلة ذلك "بمجرد أن اختفت طالبنا بحقنا القانوني في مقابلتها وإسداء النصائح..."، "الكنسية القبطية كانت تطالب بحقوق أولادها القانونية ليس إلا"، "كنا نتحدث عن قانون يتماشى مع حقوقنا وطالبنا بتفعيله"، "نحن كنا نطالب بحقوقنا".
وجاء ما اعتبر إيفاء لهذا الحق بأن أسلمت الدولة السيدة وفاء لرجال الكنيسة، ومورست عليها الحقوق المقول بها بأن حجزت في بيت المكرسات بعين شمس ثم بدير رهبان الأنبا بيشوي.. ولم يؤذن لأحد من خارج رجال الإدارة الكنسية أن يلتقي بها ولا أذن لها أن تلتقي "بالنيابة العامة" في غير صحبة رجال الكنيسة، ومضى على ذلك حتى الآن من الوقت والأسابيع ما يجعله حبسا بغير حكم ولا قرار ولا مسوغ من قانون ولا مستند من شرعة. ومن هنا يظهر أن الإدارة الكنسية مارست سلطة ضبط واعتقال.
من جهة أخرى، فإن أحداث التظاهر في ساحة الكاتدرائية وما تلاها من اشتباك بين بعض شباب المتظاهرين والشرطة كان مما أسفرت عنه من إصابات متبادلة أن ألقت الشرطة القبض على 34 من الشباب، ومن هنا بدأت الإدارة الكنسية تطالب بالإفراج عنهم، وإن غبطة البطريرك لن ينهي اعتكافه إلا بعد هذا الإفراج، ولم ينه الاعتكاف فعلا إلا بعد الإفراج الأولي عن 13 شخصا ثم أفرج عن 10 أشخاص، وهكذا لم يحل قداس عيد الميلاد في 7 يناير إلا وكان الإفراج قد تم كله بالطريقة التي ترضي البطريرك، وأنا لا أتكلم هنا عن إجراءات القبض والإفراج، ولا عن حق الجماعات في التظاهر، إنما أتكلم عن سلطة الإدارة الكنسية في أن يكون "من حقها" هي أن تطالب وأن تكون هي الممثل للمواطنين أمام دولتهم، فتكون وسيطا "قانونيا" بين الدولة ومواطنين بها، ويقال دفاعا عن ذلك: "نحن متأكدون أن هؤلاء الشباب أخذوا من الطريق العام ولم توجه إليهم أي دلائل إدانة" (المقتطفات السابقة من حديث نشرته صحيفة "آفاق عربية" لغبطة الأنبا موسى أسقف الشباب في 23 ديسمبر 2004)، بمعنى أن الإدارة حققت الأمر وتأكدت من البراءة وهي تطلب الإفراج لأنها رأت ذلك، فالبحث كنسي والقرار كنسي وعلى الدولة أن تنفذه.
"حقوق" ومكاسب الإدارة الكنسية
ومن هنا، فإن الإدارة الكنسية تمارس "الحق" في القبض والحق في التحفظ، كما تمارس "الحق" في إصدار قرار الإفراج وتضغط لتنفيذه على أجهزة الدولة المختصة بالتحقيق وإصدار القرارات في هذا الشأن. وإن هذا الذي تقوم به الإدارة الكنسية هو ممارسة العمل السياسي بكل أبعاده، وإن أغلب المراقبين لهذا الحدث ولغيره من قبله يعرفون أنه سياسة في سياسة، بالطلب وبالضغط وبالممارسة المباشرة. والأكثر من ذلك أنه لا تقوم في مصر الآن مؤسسة سياسية غير الدولة تمارس السياسة بهذا التأثير وهذه الفاعلية، كما لا يوجد من هذه المؤسسات من يحصل على المكسب بعد المكسب غير الإدارة الكنسية، رغم أنها تنفي بشدة أنها تشتغل بالسياسة، وتغضب على من يرميها بهذه التهمة، ورغم أنها تقف بشدة ضد كل من يطالب بإنشاء حزب مسيحي في مصر، وهي بوقوفها ضد نشأة الأحزاب ذات المرجعية الدينية تصادر ما عسي أن يظهر من معارضة مسيحية لها بين الأقباط في صورة حزب سياسي يضم المدنيين من المواطنين المسيحيين وتحتكر وحدها ما ترى وجها لممارسته من أعمال السياسة.
والأخطر من ذلك أن نشاط الإدارة الكنسية في هذه الفترة الأخيرة يجاوز في العمل السياسي ما يمكن أن تصنعه الأحزاب السياسية لأن الأحزاب السياسية تدعو بدعواها السياسية وتحاول أن تجمع الأنصار ليكون لها سهم في رسم سياسة الدولة وتنفيذها، أو يكون لها وحدها أن تتولى إدارة الدولة تنفيذا لسياسة هذه الأحزاب، ومن ثم فالأحزاب تعمل لتستطيع بالعمل السياسي اعتلاء الدولة وقيادتها، ولكنها لا تمارس السلطة السياسية من دون الدولة ولا تشارك الدولة في ممارسة السلطة السياسية على المواطنين كلهم أو بعضهم، ولذلك فإن الدعاوى الأخيرة التي وردت في مطالبات رجال الكنيسة وممارساتهم قد جاوزت النشاط الحزبي المطالب "بالسلطة" إلى نوع من النشاط "يمارس السلطة" أو أنه يدعي لنفسه الحق في ممارستها على أهل دينه من مذهبه، وعلى من يخرج منهم إلى دين آخر، أو مذهب آخر. نحن هنا أمام ممارسات يدعي ممارسوها أو المطالبون بها بوصفها حقا لهم أنهم ممثلون لجماعة سياسية.
سلطات "العصور الوسطى"
هنا وجه الخطورة التي يتعين أن نقف عندها طويلا، ولعل ضعف التكوين الفكري السياسي وضعف المعارف التاريخية والاجتماعية هو ما أوقع حضرات المتحدثين في كافة الصحف من المطارنة ومما نقل عن البطريرك من تصرفات وأقوال وتعبيرات عن الغضب، أوقع حضراتهم في هذا المأزق، فطالبوا بأمور وعبروا عن مواقف من شأنها أن تستدعي كل هذه التداعيات التي سبق ذكرها. وقد نلتمس العذر للسادة المطارنة والقسوس الذين تكلموا بهذه الطريقة إن ظهر أنهم لم يكونوا يقصدون كل هذه المعاني ولكن يظل ما يطالبون به من حق لهم في الإمساك بأي مواطن مسيحي وممارسة ضبطه ووضعه في مكان من أماكن الكنيسة ليستمع إلى "النصح والإرشاد" وهذا المطلب يمكن أن يتطور من أنه يتعلق بمن يريد أن يبدل دينه إلى كل من لا ترضى عنهم الكنيسة من مسيحيين تابعين لمذهبها ومعارضين لممارساتها في أي شأن، ونحن نعرف من أحداث التاريخ والحاضر أن البطاركة يصدرون قرارات "الحرم" والإبعاد من الكنيسة؟ وما يتتبع ذلك من مركز ديني يصل إلى منع الصلاة عليه بعد وفاته، و"الحرم" قرار ديني فإذا عزز "بالنصح والإرشاد" بوصفه إجراء يقتضي "الضبط والإحضار" فقد صار الأمر أمر سلطة ذات قرار دنيوي.
والغريب أن هذه السلطة لم تملكها الكنيسة المصرية قط -فيما نعلم- منذ دخول المسيحية مصر في القرن الأول للميلاد، وأن كنيسة الفاتيكان في روما هي وحدها من كان يملك مثل هذه السلطات في العصور الوسطى التي ولت من قرون عديدة، والتي يسميها الأوربيون بعصور الظلمات. هذا الذي سماه الأوربيون عصور الظلمات صار هو ما تنشده الإدارة الكنسية في مصر الآن، ولأول مرة في تاريخها وهو ما تستخلصه بالضغط على الدولة وتصنعه بالواقع الفعلي و"بالسوابق" العملية ثم تسميه إنه "حق" وإنه "القانون".
إن ما يسبب القلق والإحساس بالخطر، أن مثل هذه المطالب تتدرج في الصعود، وأنها يصاحبها تشكل ثقافي من شأنه أن يفرز القبط بوصفهم جماعة عن الجماعة الوطنية العامة، وتبدو هنا الإدارة الكنسية بوصفها قوّامة على الشأن القبطي. إن كتاب الراهب القمص أنطونيوس الأنطوني عن تاريخ الكنيسة القبطية هو من الأعمال الثقافية التأسيسية الدال على هذا التشكل الثقافي الانعزالي. وإن من يتابع صحيفة "وطني" الأسبوعية يستدل منها على هذا التشكل، والكتاب المذكور أعده راهب قمص وهو يهديه إلى الأنبا شنودة الثالث بحسبانه "نبتا من غرسه النامي" والصحيفة يكتب فيها أسبوعيا الأنبا شنودة وعدد من السادة المطارنة، فهذه التوجهات السياسية والثقافية مؤيدة من رجال الإدارة الكنسية، وهي تثير الظنون حول ما يعلم ويدرس، ويربي به الشباب القبطي داخل الكنائس مما لا يتاح لنا معرفته، ولكننا نري الآثار التربوية لذلك في أن أي حادث يثور دون أن يكون للجماعة الوطنية ولا الدولة أي علاقة به إنما يحمل الشباب القبطي الغاضب الجماعة الوطنية، أو الدولة مسئوليته وكل ذلك يجري في ساحة الكاتدرائية، كما رأينا في 2001، وفي 2004، وغيرهما.
هناك طبعا تيار وطني بين الأقباط نعرفه جميعا ولأفراده ومثقفيه كتاباتهم ومواقفهم التي يقفون بها في إطار المصلحة الوطنية العامة سواء في مواجهة المخاطر الخارجية عدوانا وضغوطا، أو في صفوف دعم قوى التماسك لدى الجماعة الوطنية، ونعرف ما يكبدهم ذلك من مشاق ومتاعب، ولكن انحياز الإدارة الكنسية للاتجاه الانعزالي أمر واضح وهو يثقل كفة هذا الاتجاه، وهو الاتجاه الذي يسيطر على الصحافة القبطية وهو الاتجاه الذي نلمس أثره في ردود فعل حركات شباب الكاتدرائية عندما يعبرون عن احتجاجاتهم هناك وفي بداية "القرن العشرين". وعلى عهد الاحتلال البريطاني لمصر، وعلى مدى النصف الأول من هذا القرن وجد فيما وجد صحيفتان قبطيتان صحيفة "الوطن" وكان توجهها يشبه التوجه الانعزالي لصحيفة "وطني" التي تقوم بيننا الآن، والصحيفة الأخرى هي "مصر" وكان يغلب عليها التوجه الاندماجي مع الجماعة الوطنية، وكانت الإدارة الكنسية تقف على بعد نسبي من التيارين، وكان ذلك يبدو منها منطقيا لأنها كانت تقف بعيدا عن المواقف السياسية، وتعتبر أن مهمتها دينية بحتة وأنها بهذا الوصف تعتبر الجميع أبناءها ماداموا على نهجها العقيدي، أما اليوم فالوضع مختلف، فالصحيفة واحدة وتوجها انعزالي وتدعمها الإدارة الكنسية.
وهذا ينقلنا إلى موضوع تفرد الكنيسة وحرصها على أن تكون هي المؤسسة القبطية الوحيدة دون أي تكوين أو تشكيل مؤسسي آخر يعبر عن أي من وجوه النشاط المتعددة للمسيحيين القبط ثم حرصها من بعد على أن تكون هي القوامة على الشأن القبطي وحدها، بمعنى أنها عملت على الاستحواذ على الهيئات القبطية كلها وضمها إليها بالسيطرة عليها أو الإلحاق بها أو الإخضاع لها، فلما تأتى لها هذا الأمر ظهرت تواجه الدولة للحصول على شيء من سلطاتها بالنسبة للمواطنين الأقباط، ولتعرف بها في الواقع بأنها المؤسسة الحامية للقبط والوسيط بينهم وبين الدولة.
تجربة المدنيين الأقباط
إن الناظر في التشكل الحديث للجماعة الوطنية في مصر يلحظ أن هذا التشكل بما يتضمن من اندراج القبط في الجماعة السياسية كان متواكبا مع تعدد التشكيلات التي تنتظم فيها الشئون القبطية، وكان متواكبا مع عدم انفراد القائمين على الإدارة الكنسية لهذه الشئون، ومع دخول نظم الإدارة الحديثة في الدولة وتشكل الأحزاب والجمعيات، نشأ أيضا المجلس الملي لشئون الأقباط في سنة 1873 بوصفه هيئة يرأسها البطريرك وينتخب سائر أعضائها ووكيلها من أهل الحل والعقد الأقباط المدنيين، وهو يتولى الجانبين المالي والإداري من شئون الكنيسة والإشراف على المنشآت والمؤسسات الخيرية والتعليمية والأوقاف وغير ذلك، وبهذا ظهرت الصيغة التعددية في إدارة هذه الشئون وصارت الأنشطة التي يقوم بها القبط متعددة الوجوه ومتنوعة الأشكال وهي لا تؤول في نهايتها إلى هيئة واحدة تملك عليهم القبض والبسط.
والمدنيون الأقباط ينشطون في مختلف وجوه النشاط متشاركين في ذلك مع أهل وطنهم من غير دينهم ويتعايشون مع غيرهم في مختلف وجوه الأنشطة الاجتماعية مما يجعلهم أغنى تجربة وأبعد بصرا بمسالك النظر والحركة وأعرف بالتضاريس الاجتماعية، والثقافية التي تتشكل بها الجماعة الوطنية وهم ذوو أسر ويعملون في المهن والحرف ويمشون في الأسواق، ومعارفهم وخبراتهم ليست محدودة في هذا النطاق غير الفسيح من الناحية الدنيوية، الذي يحيا فيه الرهبان، ويكتسبون فيه علومهم ومعارفهم العقائدية وممارساتهم الوجدانية والدينية. إن ما أقوله لا يقلل من شأن هذه الخبرات والتجارب الروحية والتخصص العلمي العقيدي ولا يقلل من مدى الاحتياج الروحي والعقيدي لهذه الخبرات والمعارف والعلوم للإنسان العادي في حياته الدنيوية، ولكن المقصود أننا في صدد تشكل الجماعة الوطنية وإدارة شئونها والعيش في كنفها وما تفرضه توازناتها من موجبات على مكوناتها. إن هذه الجوانب يكاد يكون من المستحيل في ظني على أهل الصوامع والأديرة أن يكون لهم فيها مكنة اتخاذ القرار أو ترسم المناهج والسياسات ناهيك عن أن يستبدوا بهذا الأمر من دون غيرهم من أهل دينهم.
لذلك كان تشكل المجلس الملي ضرورة، ليس فقط لإدارة الشئون القبطية على نظم حديثة أكثر رشدا ولكنه كان ضرورة لإدارة علاقات التوازن والتعايش في إطار الجماعة الوطنية، وهذا التعدد أفسح للمزيد من الأنشطة التعددية، فظهرت الجمعيات مثل جمعية التوفيق القبطية وغيرها، ثم ظهرت مشاركات الأقباط في وجود الأنشطة المصرية العامة في النقابات المهنية والنقابات العمالية والجمعيات والهيئات، هم طبعا موجودون دائما في هذه الأنشطة، ولكن المقصود من إشارتي أنهم صاروا وهم يمارسون أنشطتهم في هذه الهيئات إنما يمارسونها بوصفهم الخاص بعضويتهم بأي من هذه الهيئات وليس بوصف كونهم تابعين للإدارة الكنسية، ومن هنا عرفنا دخول الأقباط في الأحزاب السياسية حديثة التكون، وعرفنا مساهمتهم في أنشطتها السياسية مستقلين في هذه الأنشطة عن تبعيتهم للمؤسسة الكنسية الأرثوذكسية؛ لأن الإدارة الكنسية لا تعمل بالسياسة ولأن المؤسسة الكنسية هي من بين المؤسسات العديدة المشمولة بالجماعة الوطنية، وهي من بين المؤسسات العديدة التي يتصل بها المواطن القبطي بقسم من نشاطه وتتوزع أنشطته الأخرى على ما يراه مناسبا لها من هيئات ومؤسسات حسب اختياره، وملاءمات تقديره.
وهكذا كان الوجود القبطي في إطار الجماعة الوطنية وجودا متعددا لا من حيث الأنشطة فقط، فهذا أمر طبيعي وباق إن شاء الله دائما، ولكن من حيث التعدد في الهيئات والمؤسسات مع استقلال كل من هذه الهيئات عن الأخرى، الإدارة الكنسية والمجلس الملي والجمعيات، ثم الوجود المشترك في المجالس والأحزاب والنقابات وغير ذلك ولم تكن للإدارة الكنسية صفة تمثيلية للأقباط في الوجود الاجتماعي السياسي وهي لا تعبر عنهم في هذه الشئون ولا ينقادون إلى قرارات لها وأوامر، وهم كثيرا ما عبروا عن رفضهم العنيد لأية إشارة تصدر عن الإدارة الكنسية وتتضمن إيحاء بأنها تمثل قبط مصر، ومن يطالع تاريخ مصر الحديث من هذه الجوانب يجد أمثلة كثيرة على ذلك.
إن هذه التعددية المؤسسية بين الأقباط فيما ينشطون فيه وفيما يعبرون عن أنفسهم فيه، لم تكن يسيرة في نشأتها وفي ممارساتها، بل تضمنت أحيانا درجات من التدافع والاشتباك، ولا أريد أن أطيل في ذكر الأمثلة في ذلك، ويكفي بعضها مما أثبتته كتب التاريخ التي دونها الأقباط، أو ما سجلته الصحافة في تلك الأزمان التي كانت عن الأقباط وأن البطريركية كانت تدافع عن سلطاتها المطلقة وما لبثت أن ألغت المجلس الملي بعد تشكيله بسنوات قليلة واستمر ذلك حتى سنة 1883، ثم عاد إلى الوجود بضغوط رجال الإصلاح من الأقباط واشتد الصراع حتى استصدر الإصلاحيون الأقباط بأنفسهم قرارا من الدولة في سنة 1892 بنفي البطريرك الأنبا كيرلس الخامس، ونفي مساعده الأول الأنبا يؤانس، ونفي الأول إلى دير البراموس بوادي النطرون والثاني إلى دير الأنبا بولا بالصحراء الشرقية نحو سنة وعادا بعدها واستمر البطريرك بعدها في منصبه لمدة 53 سنة انتهت بوفاته في 1927 عن مائة وثلاثة أعوام.
ثم استعرت المعركة من جديد حول البطريرك الجديد وكان مرشح المطارنة هو الأنبا يؤانس، وفاز بعد معركة انتخابية ضارية ضد رجال الإصلاح الأقباط، وجاء فوزه بمساندة من الملك فؤاد، ذلك لأن المستبدين يتأيد بعضهم ببعض ويؤازر بعضهم بعضا، وبلغت حدة الصراع مبلغ أن بعض المعارضين أعلنوا عصيانهم للبطريرك وأنهم لن يعترفوا به بطريركا، ثم قامت معارضة أخرى أثناء توليه ومن أقطابها القمص سرجيوس المعروف في تاريخ ثورة 1919 وأصدر صحيفة هي "المنارة المرقسية" ثم المنارة المصرية تندد بالبطريرك وسوء إدارته.. فلما توفي البطريرك في سنة 1942 قام الخلاف من جديد بين رجال الإكليروس والمدنيين من الأقباط، ورشح الإصلاحيون الأنبا مكاريوس واستطاعوا في النهاية أن ينجحوا به وينتخب بطريركا، ولكن بعد انتخابه أحاط به رجال الإكليروس وأفقدوه الفاعلية مما أسخط رجال الإصلاح بقيادة الدكتور إبراهيم فهمي المنياوي وكيل المجلس الملي فاشتد الخلاف فترك مكاريوس مقر البطريركية وهاجر إلى الدير حتى توفي في 1945، ثم انتخب المرشح المحافظ عن المطارنة الأنبا يوساب واستمر النزاع قائما بتفاصيل ليس المجال مجال سردها لأن المحيطين بيوساب سيطروا على مقدرات الكنيسة مما دفع إلى اتفاق المجلس الملي مع المجمع المقدس على خلع البطريرك فخلع وعين قائمقام بدلا منه.
وهكذا قصدت من هذه الإشارات بيان أن قدرة رجال الإكليروس على قيادة الشئون القبطية قدرة محدودة وليست كفئا للقيام على هذه الشئون وذلك بالنسبة للإدارة والنشاط في الشئون الدنيوية، وأن من عارضوا القيادة الكنسية بهذا الأسلوب العنيف والحاد كانوا يصدرون عن هدف الإصلاح المؤسسي لها وصولا إلى الرشد والصلاح، ولم يتهم أحد منهم بمروق عن الدين أو خروج عن مصالح أهل الدين، وأنه إذا كان رجال الدين لم يكونوا قادرين على إدارة الشئون الكنسية بما يلزم من رشد واقتدار لاستغراقهم في ممارساتهم الدينية، فمن باب أولى يكون موضوع إدارة مثل هذه الشئون في إطار الجماعة الوطنية ومع المؤسسات المدنية والوطنية العامة، من باب أولى يكون ذلك محتاجا إلى غيرهم ممن يملكون العلوم والخبرات وأعراف التعامل مع هذه الجماعات والمؤسسات الخاصة بالعيش المشترك.
ويمكن أن أقول: إن الإرادة الكنسية لبطريرك الأقباط الأرثوذكس في مصر لم تكن بهذا التفرد وبهذا الإطلاق وبهذه السيطرة المتوحدة غير المتحداة طوال المائة والثلاثين سنة الأخيرة، وهنا يكمن المشكل الحقيقي في الشأن القبطي في مصر الآن.. يلزم أن يكون هناك عدة صحف قبطية تعبر عن الاتجاهات المتعددة بين الأقباط، ويلزم أن يكون ثمة هيئات ومجالس قبطية مستقلة عن الوظيفة الكهنوتية التي يستبد بها السادة المطارنة والرهبان وغيرهم؛ وذلك لتقوم على الشئون الإدارية والمالية للشئون الكنسية ولتشارك في إدارة شئون العيش المشترك في مجال الجماعة الوطنية.
إن "الكنيسة" ذات ديني بالنسبة للمسيحيين ولكن الإدارة الكنسية شيء آخر، إنها إرادة ذات قرار يتعلق بأناس من المواطنين المصريين ويمس علاقات دنيوية ويتداخل مع وظائف هيئات ومؤسسات ويؤثر في مراكز قانونية، وفي هذه المجالات يرد الخطأ والصواب ويرد النقد وتقوم المعارضة وهنا يتعين وجود التعدد.
والإدارة الكنسية صارت تنظيما أوحد، ألغت كل ما عداها، وما لم تلغه امتصته وأخضعته لسيطرتها المتفردة، وأعطت مثلا لأعضاء المجلس الملي صفات كنسية ليمكنها ضمان الهيمنة النظامية عليهم، والإدارة الكنسية تخضع للسيطرة الفردية لغبطة البطريرك وحده، ويتحلق حوله كعادة كل ذوي الهيمنة الفردية من يتعاملون بمشيئتهم من خلال إرادته التي لا ترد وبغير تبعة على أي منهم مما يضاعف من فوات الرشد الدنيوي في التصرف.
جراح عديدة
والإدارة الكنسية بوضعها الراهن انتقلت من الهيمنة الفردية إلى التفرد المؤسسي، ثم إلى التوجه الحزبي السياسي، ثم أضافت إلى ذلك نزوعا إلى السلطة واستخدام أدواتها في الضبط والاعتقال. لقد قالت للدولة: أعطني قطعة من استبدادك فأعطتها الدولة قطعة من استبدادها.
إننا لا نريد لهذه الموضوعات أن يسكت عنها ولا أن يغض عنها الطرف، فشأن الكنيسة القبطية هو من الشئون الوطنية العامة التي تهم الجماعة الوطنية كلها، وكما نهتم بشئون الدولة وإدارتها على اختلاف وجهات نظرنا ونهتم بشئون المسلمين وهيئاتهم، يتعين أن نهتم بالشئون القبطية لأنها الشئون العامة ونحن لا نقترب هنا من الأمور الدينية.
وأهم ما ينبغي الاهتمام به هو قيام التعدد في إدارة هذه الشئون حسب نوعياتها وتخصصاتها وهو أن تضمن التداخل الوطني لشئون العيش المشترك فلا تفرض على القبط أي في مجاله إرادة واحدة. في كافة الأنشطة وتكون هذه الإرادة هي إرادة الإدارة الكنسية، إن الأقباط في النقابات مثلا هم قبط ولكنهم لا يمثلون الإدارة الكنسية بوصفها مؤسسة، وإن القبط في الأحزاب هم مواطنون أقباط ولكنهم لا يمثلون الإدارة الكنسية وهذا حاصل، وهذا حاصل فعلا، ونحن نرجو له البقاء والشيوع وأن التعددية هي إرادة ضمان هذا البقاء والشيوع وهي ضمان عدم توغل إدارة واحدة يقودها فرد أوحد وتكتسب من السلطات الدنيوية ما تسعي إليه الآن وتراه حقا من حقوقها.
إن الأحداث الأخيرة أحدثت عددا من الجراح: جرح مع الدولة لأن الكنيسة أجبرتها في لحظة ضعف ووهن على أن تسلم لها مواطنة بغير حق، وجرح مع المسلمين لدى المسلمين لأن هذه السيدة أو السيدتين أو أكثر اللاتي تسلمتهن الكنيسة كن جميعا أو بعضهن قد صرن إلى الإسلام، وجرح مع القبط، لأن الإدارة الكنسية اكتسبت من الدولة سابقة تعتبرها حقا، وهي أن تسلم لها الدولة من تطلبه الكنيسة من القبط، وهذا أمر لم يحدث قط في التاريخ السابق.
* نقلا عن جريدة الأسبوع بتاريخ 10 يناير 2005
** مفكر وقاضٍ ومؤرخ مصري
أعدت نشر المقال لأني وجدته حذف من موقع جريدة الأسبوع

0 التعليقات:

Copyright © 2008 - تدوينات ذهبية - is proudly powered by Blogger
Blogger Template