التخوف من سوء تطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم .. هل يصلح مبررا لإلغاء الفكرة من الأساس؟
في أحد الحوارات عن تطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم ، لفت انتباهي تخوّف البعض من سوء تطبيق النظام الإسلامي ، وخضوع السياسة الإسلامية لفهم القائمين على تطبيقها ..والحقيقة أنه تخوف في غير محله بالمرة ..فجميع المناهج الأرضية يقوم على تنفيذها من يقتنع بها البشر ، وهي في نفس الوقت خاضعة لفهم وقناعة من يطبقها ..وكذلك المنهج الإسلامي يخضع لفهم رجاله الذين يطبقونه ..من ناحية الأطر العامة والثوابت الشرعية ، فلا يمكن لكائن من كان أن يسيء فهمها ، وإلا فإنه يتكلم عن نظام غير الإسلام ..فعلى سبيل المثال: لا يمكن أن تتنازل الدولة في دستورها عن مبدأ الشورى ، وحق تداول السلطة بشكل سلمي يقبله كل الناس ، ووجود رقابة على السلطة ، وحق المواطنين في خلع الحاكم المستبد المسيء للتصرف .. كما أن للمواطن حقوقا مادية وأدبية واجتماعية وصحية ينبغي مراعاتها ، وتكون الدولة متكفلة بها ..وكذلك المواطنون المغايرين للمسلمين في الديانة لهم الحق في التمتع بشعائر أديانهم دون مضايقات من أحد ، والدولة ترعاهم كما ترعى مواطنيها المسلمين ..أما من ناحية المسائل الفرعية والتفصيلات الصغيرة ، فهي قابلة لتنوع وجهات النظر والاجتهاد ، ولا يمكن لأحد من القائمين على تطبيق المنهج الإسلامي أن يدعي صحة رأيه فقط في تفصيلة من تفصيلات المسائل السياسية ..كَتَولي المرأة لبعض مناصب الدولة ، أو تولي غير المسلمين وظائف حساسة في المجتمع قد يطوّعها لخدمة أهل دينه ويضيِّق بها على المسلمين .. فهذا من المسائل الفرعية التي يسوّغ الاجتهاد الفقهي ان يختلف فيها المجتهدون ..وبناء على ذلك .. وطالما ن هناك خطوطا رئيسة لا يمكن تجاوزها أبدا .. وهناك خطوطا فرعية يمكن الاختلاف فيها بحسب اجتهاد القائمين على النظام في تلك الفترة ، فلن ينتج عن النظام الإسلامي واختلاف القائمين عليه فكريا ، إلا نوع من التدافع الفكري والحضاري ..وفي حالة إساءة التطبيق ، أو التعسف في التطبيق بشكل واضح ، وتعدّي الخطوط الحمراء يمكن للشعب إسقاط الحاكم نفسه كما ينص على ذلك الدستور ..بل والأكثر من ذلك - وقد سمعتها من الكثيرين ـ أن هناك من يتخوف انقلاب الإسلاميين على الشورى ، واستبدادهم بالحكم على غرار طالبان ..وهؤلاء نقول لهم كليمة صغيرة: هل نعيش في ظل أنظمة نندم على تركه لو تحققت مخاوفكم؟نحن تحت رحمة (أقصد عدم رحمة) أنظمة متوحشة ، لا تعرف إلا الحلول الأمنية الفاجرة ، التي لا تعرف شيئا عن الأمن إلا انتهاك حرمات الناس وترويعهم ، وقذفهم في المعتقلات ، وتزيين جدران الزنازين بدمائهم ..فإن فشل تطبيق القائمين على النظام الإسلامي ، فقد سبق لما الفشل ، ولن نخسر كثيرا ..ولربما يقول احدهم: إن خطورة الفشل في تطبيق النظام الإسلامي ، أنه القائمين عليه يدعون أتنهم الناطقين عن الله ، وان كلامهم وحي منزل من السماء !!فأقول ربما كان من يدعون أنهم المتكلمون بلسان الله أرحم وأفضل ممن يسخرون من دين الله ، ولا يردعهم رادع عن الوصول إلى أغراضهم على أشلاء جثث الشعوب ..فمن يخطئ في تطبيق النظام ، ربما يجد نصا يمعنه من قتل إنسان بدون بينة , والدماء عندهم مصونة إلا إذا أصاب صاحب الدم حدا من حدود الله ..أما الآخرون ، فلا يعترفون بنصوص ولا بدين يردعهم ، ولين هناك نص يوقف وحشيتهم وساديتهم .. بل إنهم يخترعون الدساتير ، وفيها نصوص تجعل امتصاص دم العباد شيئا مباحا ، يحصل من يمصه على أرفع الأوسمة ..فتطبيق النظام الإسلامي أفضل بكثير من تطبيق أنظمة أخرى غيره .. ومقارنته بغيره عندما يطبق بشكل صحيح ترجح كفته ، وحتى في ورود الخطأ في التجربة ، فأخطاؤه خير من أخطاء غيره ..
هذا الموضوع كتب في الأثنين, نوفمبر 10th, 2008 في الساعة 12:41 pm في قسم
بــراحــــــــتك ... يمكنك متابعة الردود على هذا الموضوع من خلال ملف الخلاصات RSS 2.0. تستطيع كتابة رد أو تعقيب من خلال موقعك.
تعليقان على “التخوف من سوء تطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم .. هل يصلح مبررا لإلغاء الفكرة من الأساس؟”
(أم البنين) قال: 11 نوفمبر 2008 في الساعة 2:31 pm
العيب ليس في الشريعةولكن في من يطبقونهاوكما رأينا الحكم العجيب بجلد الطبيب المصري! والذي لم يسبق أن حكم به من قبلنسأل الله أن يضع الشريعة بين يدي من يحسن تطبيقها حتى لا تهرب معانيهاجزاك الله الفردوس الأعلى أخي الكريم
ألف قال: 12 نوفمبر 2008 في الساعة 1:05 pm
السلام عليك يا محمود،
سأبدأ بقول أن شكل الحكم الذي تصفه بالإسلامي هو رؤيتك أنت لنظام الحكم الإسلامي.
فكما أظنك تعلم فإنه يوجد إسلاميون سياسيون لا يقبلون بديلا عن ما يرونه مقومات لهذا النظام، مثل ولاية الفقيه، أو الولاء المطلق للحاكم، أو العداء غير المحدود لمن لا ينتمون للجماعة الإسلامية، أو يرون شورى هي بلفظها غير ملزمة للحاكم؛ أو لديهم وجهات نظر أخرى بشأن نقاط قد تراها أنت لا خلاف عليها، أو تراها واجبة في أي نظام حكم رشيد بينما قد يراها غيرك من الإسلاميين السياسيين غير ضرورية، أو مرفوضة أو تختلف أولويتها لديهم.
هذه الاختلافات طبيعية لا تعيب نظام الحكم و لا النقاشات التي لا يمكن و لا ينبغي أن تنتهي حوله، كما سأبين لاحقا. لكن دعني أستطرد أولا.
ما أراه هو أن نقطة الالتقاء الوحيدة بين أطروحات الحكم الإسلامي - و المميزة لها عن طروحات الحكم الأخرى التي لا تتصف بأنها “إسلامية” - هي مصطلح لا يصمد كثيرا في وجه التشريح - الفكري - و سرعان ما يبين أنه هو كذلك مثل غيره من المصطلحات السياسة\الاجتماعية له من التطبيقات و التفسيرات و التخريجات و الاعتبارات العملية و الأصول المرجعية بقدر ما يوجد فقهاء و مفكرون بقدر ما يوجد إسلاميون سياسيون: و بهذا أعني “الشريعة”. فغير أنها في شكلها المتوارث لا تكفي لوصف نظام حكم عصري بكل التفاصيل التي أقررت في مقالتك بأنها حتما مجال للخلاف، هذا و إن كان لا يوجد خلاف على مقاصدها المجردة.
يمكن حتى للمتابع غير المتخصص أن يلحظ تطورا - أي تغيرا في الأطوار و الأحوال - لمجموعة الأفكار التي كانت تنضوي في فترات مختلفة تحت لافتة “نظام حكم إسلامي”، كما يمكن أن نضيف إلى محدد الزمن\التاريخ محددات أخرى، مذهبية و جغرافية. طرحك هذا الذي عددت فيه من أوجه الخلاف القابلة للبحث مسائل “النساء” و “غير المسلمين” و الاحتكام إلى “دستور” و “تداول السلطة”، هو دليل على ذلك.
الفكرة يا سيدي هي أنه توجد نظم حكم “إسلامية” بقدر ما يوجد إسلاميون. و هذا يجعلها غير متمايزة عن النظم التي تصفها بالوضعية، و هي التي لا تستبرئ من هذا. عدم التمايز هذا أرجعه إلى المتغير البشري الذي أشرت إليه أعلاه: رؤيتك (و معك من يتفق معك).
الحق أني كما قلت لا أرى عيبا جوهريا في النظم “الإسلامية” غير أنها تصر على وصف ذاتها بأنها “إسلامية”. لأن هذا الوصف لا مبرر فكري له و لا مبرر عملي غير كونه سعيا إلى إنماء إحساس غير معقول، بل مشعور مبني على الإيمان، عند المتلقي\المطلوب ولاؤه بأن هذا النظام - و لا لسبب غير كونه هو ذاته، و لاتصافه بصفة “إسلامي” - سيحقق المنشود من العدل الذي يربطه المؤمن المتدين بالوحي الإلهي المنزل من السماء؛ و فيه كذلك وأد لمعارضة محتملة مستقبلية لمثل هذا النظام بطريق الدفع بفكرة “التنزيه” و الأفضلية المطلقة؛ و ضربة وقائية ضد أي نقد للأسس الفكرية التي يقوم عليها تجسد ما لمثل هذا النظام تتجاوز ما يسمح به ذاك النظام الذي كنا قد اتفقنا مسبقا على عدم سموه فوق الخلاف!
ما دامت أطروحة الحكم الإسلامية التي تعرضها تقبل الخلاف في مسائل كانت سابقا - و لا زال غيرك يعدها - غبر خلافية، و ما دام العنصر البشري لا مناص من تدخله بالتفكير و بالتنفيذ و الاجتهاد في شكل القيادة و المؤسسات بما يستتبعه ذلك من اختلافات في الرؤى و التفسير و التقدير و البرامج العملية، فبعد هذا كله لا أجد بدا من أن تتخلى تلك الأطروحات عن الدرع الإلهي و أن تقبل بالنزول إلى مستوى النقد البشري المدرك قصوره لكن المؤمن بعدم عجزه. أما الأساسيات المتجلية في المقاصد هي أصلا من المشترك البشري العام الذي لا خلاف عليه، بل إن العنصريين و الفاسدين و إرهابيي الدولة و المحتكرين كلهم بتذرعون بتلك المقاصد مثلهم مثل غيرهم
أظن أنه يجب علي التنويه إلى أني لا اعتراض لدي على الإيمان، فالاعتقاد بأي فكرة فيه جانب إيماني، بل لا اعتراض لدي على الإيمان الديني الذي يرجع ذاته إلى ما يراه تنزيلا سماويا؛ لكن في إطار دولة لا تمايز في معاملتها بين التجليات المختلفة للإيمان و لا تعد ذلك الاختلاف محددا في صيرورات الإدارة و التنظيم.





من مدونة : صـَـــيـْــدُ الخـَــوَاطـِـرِ .. وَلـَحـْـظـُ النـَّــوَاظـِـرِ .. !!
الشَّـــــيْـــــخُ / مَـــحْــــمــُــودُ الحـَـسـَّـانـِيُّ المـَالـِكِيُّ الأَزْهـَــــرِيُّ

0 التعليقات:

Copyright © 2008 - تدوينات ذهبية - is proudly powered by Blogger
Blogger Template